في هذه الأيام، لا تبدو الجزائر العاصمة مجرد مدينة تستعد لنهاية موسم كروي مثير، بل مدينة تعيش على إيقاع موعد قد يبقى طويلا في الذاكرة. من القصبة إلى باب الواد، ومن سوسطارة إلى بلكور، تغيّرت ملامح الشوارع والأحياء، وارتدت العاصمة ألوان أنديتها كما لو أنها تستعد لعرس جماعي كبير. الرايات تتدلّى من الشرفات، الأعلام ترفرف فوق المقاهي والأسطح، وأصوات المناصرين تملأ الأزقة حتى ساعات متأخرة من الليل، في مشهد يكشف حجم الترقب الذي يسكن الشارع العاصمي.
الأخضر والأحمر هنا، الأحمر والأسود هناك، والأبيض والأحمر في الجهة المقابلة… ألوان مختلفة، لكنها تجتمع هذه المرة داخل حالة استثنائية واحدة: حلم ثلاثية قد يجعل العاصمة الجزائرية تعيش أحد أكثر أسابيعها الكروية جنونا.
فالكرة لم تعد مجرد 90 دقيقة فوق المستطيل الأخضر، بل تحولت إلى نبض يومي يسكن الشوارع والمقاهي والأسواق وحتى الأحاديث العابرة بين الناس. يكفي أن تمرّ هذه الأيام عبر باب الواد، أو تصعد نحو القصبة وباب جديد وسوسطارة، حتى تدرك أن المدينة لم تعد تعيش إيقاعها المعتاد. الشوارع اكتست بألوان المولودية والاتحاد، بينما اختارت بلكور الأبيض والأحمر وفاءً لشباب بلوزداد.
المشهد تجاوز فكرة التزيين عند العشاق، بل تحول إلى شيء يشبه الذاكرة الجماعية والانتماء للأحياء والألوان. الأطفال يركضون بقمصان الأندية داخل الأزقة الضيقة، الشباب يتبادلون النقاشات الحماسية في المقاهي، والعائلات تتابع العدّ التنازلي لمواعيد قد تغيّر شكل الموسم بأكمله. حتى المنافسة التقليدية بين الأنصار بدت هذه المرة مختلفة. الاستفزازات الكروية المعتادة ما تزال حاضرة، لكنها تختلط بشعور جماعي نادر بأن العاصمة كلها تقف على أبواب لحظة قد لا تتكرر كثيرا.
الشرفات امتلأت بالأعلام، السيارات تحولت إلى منصات متنقلة للأهازيج، ومواقع التواصل الاجتماعي غزتها صور الاحتفالات الليلية، حتى بدا وكأن المدينة بأكملها تؤجل نومها انتظارا للمباراة القادمة.
وسط هذه الأجواء، تبدو مولودية الجزائر الأقرب إلى كتابة فصل جديد في تاريخها. “العميد” لم يعد يفصله سوى نقطة واحدة عن حسم لقب البطولة، في تتويج قد يمنحه اللقب العاشر في تاريخه والثالث تواليا، ويكرّس حضوره كأحد أكثر الأندية استقرارا وهيمنة في الكرة الجزائرية خلال السنوات الأخيرة.
لكن ما يحدث حول الفريق تجاوز منذ أسابيع حدود النتائج والحسابات.
سهرة مواجهة أولمبيك آقبو تحولت إلى استعراض جماهيري استثنائي صنعته جماهير المولودية قبل صافرة البداية وبعدها. مجموعة “حب وعقلية” المناصِرة للفريق، جابت شوارع العاصمة في موكب ضخم بالدراجات النارية، وسط أهازيج وألعاب نارية وأعلام غطّت الأحياء الشعبية، في مشاهد أعادت إلى الأذهان صور المدن اللاتينية التي تعيش الكرة كجزء من هويتها اليومية.
وقبل ساعات فقط من انطلاق المباراة، كانت مدرجات ملعب علي عمار قد امتلأت عن آخرها. الأهازيج لم تتوقف، الرايات غطّت المدرجات، والاحتفالات تواصلت حتى بعد نهاية اللقاء في مختلف أحياء العاصمة. المثير أكثر، أن هذه الحمى الجماهيرية تجاوزت حدود الجزائر نفسها.
ففي العاصمة الإنجليزية لندن، خرج عدد من أنصار المولودية للاحتفال بعد المباراة، وصنعوا أجواء لافتة تداولتها منصات التواصل الاجتماعي على نطاق واسع، في صورة تختزل الامتداد العاطفي الكبير للمولودية الشعبية وجماهيريتها داخل الوطن وخارجه. ومع اقتراب لحظة الحسم، يشعر كثيرون أن العاصمة تحبس أنفاسها انتظارا لليلة قد تتحول فيها شوارعها إلى بحر أخضر وأحمر.
وعلى بعد ساعات فقط، ستتجه الأنظار إلى ملعب نيلسون مانديلا ببراقي، الذي يحتضن أمسية الخميس نهائي كأس الجزائر بداية من الساعة الخامسة مساء، في مواجهة تحمل كل معاني التنافس والتاريخ بين اتحاد العاصمة وشباب بلوزداد.
النهائي سيكون الثاني تواليا بين الفريقين، في امتداد لصراع أصبح أحد أبرز عناوين الكرة الجزائرية في السنوات الأخيرة.
شباب بلوزداد يدخل المواجهة مدفوعا برغبة واضحة في ردّ خسارة الموسم الماضي، بينما يبحث اتحاد العاصمة، صاحب الرقم القياسي في عدد مرات الوصول إلى النهائي، عن إضافة إنجاز جديد إلى خزائنه وشحن معنوياته قبل الموعد الإفريقي المنتظر.
لكن ما يمنح هذه المباراة وزنها الحقيقي، أنها تأتي في لحظة تعيش فيها العاصمة كلها على وقع الانتظار.
في بلوزداد، تبدو الجماهير مقتنعة بأن الكأس يجب أن تعود إلى “السياربي”، بينما تعيش سوسطارة على وقع حلم الجمع بين المجد المحلي والقاري في موسم واحد.
المدينة منقسمة كرويا، لكنها موحّدة في الحماس والترقب.
وإذا كان نهائي الكأس كافيا وحده لصناعة التوتر، فإن اتحاد العاصمة يجد نفسه أيضا أمام تحدٍّ قاري ضخم يتمثل في نهائي كأس الكونفيدرالية الإفريقية أمام الزمالك المصري.
الرهان هنا يتجاوز حدود لقب جديد.
الاتحاد يسعى لاستعادة الهيبة الجزائرية في القارة السمراء، وإحياء صورة الفريق الذي نجح سنة 2023 في فرض نفسه على الساحة الإفريقية وإعادة الكرة الجزائرية إلى واجهة المنافسة القارية.
داخل سوسطارة، لا يبدو الحديث عن النهائي الإفريقي أقل حرارة من الحديث عن الكأس.
الجميع يدرك أن التتويج أمام نادي بحجم الزمالك سيمنح الفريق بعدا تاريخيا جديدا، وسيكرّس صورة العاصمة الجزائرية كعاصمة للنجاحات الكروية هذا الموسم.
السيناريو ما يزال افتراضيا، لكنه حاضر بقوة في خيال الشارع العاصمي:
مولودية الجزائر تتوّج بالبطولة.
شباب بلوزداد يرفع كأس الجزائر.
واتحاد العاصمة يعود بكأس الكونفيدرالية.
ثلاثة تتويجات كبيرة، لثلاثة أندية من قلب العاصمة، في فترة زمنية متقاربة.
ولو يتحقق هذا المشهد، فإن الجزائر العاصمة لن تكون مجرد مدينة تحتفل بألقاب رياضية، بل مدينة تعيش واحدة من أكثر لحظاتها الكروية وجنونا.
الشوارع ستغرق بالألوان والأهازيج، السيارات ستملأ الطرقات حتى ساعات الفجر، والأحياء الشعبية ستتحول إلى ساحات مفتوحة للاحتفال، في مشاهد قد تبقى عالقة طويلا في ذاكرة الجماهير.
العاصمة، بكل تناقضاتها واختلافاتها، تبدو اليوم موحّدة حول شغف واحد.
وحتى التنافس الحاد بين الأنصار أعاد إلى البطولة المحلية جزءا من بريقها المفقود، في وقت عانت فيه الكرة المحلية خلال السنوات الأخيرة من تراجع الإثارة وانخفاض المستوى التنافسي، بالتزامن مع ابتعاد أندية تاريخية مثل شبيبة القبائل ووفاق سطيف ومولودية وهران عن منصات التتويج.
ما يحدث اليوم قد لا يكون مجرد نهاية موسم مثيرة، بل ربما بداية استعادة الروح القديمة للكرة الجزائرية… روح المدرجات الممتلئة، والمنافسة الحقيقية، والبلد الذي يتنفس كرة القدم من جديد.
حتى الآن، لا شيء حُسم بالكامل.
الألقاب ما تزال معلّقة، والمباريات لم تُلعب بعد، وكل السيناريوهات تبقى ممكنة. لكن المؤكد أن “البهجة” تعيش بالفعل لحظة استثنائية. لحظة أعادت الحياة إلى الشوارع، وأشعلت المدرجات، وجعلت المدينة بأكملها تتحرك على إيقاع كرة القدم.
أعلنت رابطة كرة القدم المحترفة عن تأجيل المباراة التي كانت ستجمع بين إتحاد العاصمة وأتلتيك…
تلقى نادي الزمالك المصري ضربة قوية بعد خسارته أمام غريمه الأهلي المصري بثلاثية نظيفة (3-0)،…
تواصلت الإثارة في الرابطة الثانية مساء اليوم الجمعة، مع إجراء مباريات الجولة الـ29 من مجموعة…
في إطار الجولة 32 من الدوري الفرنسي، شهدت قائمة نادي أولمبيك مرسيليا الخاصة بمواجهة نانت…
ودّع نادي الشمال القطري منافسات كأس أمير دولة قطر من الدور ربع النهائي، بعد خسارته…
سيدخل اتحاد العاصمة موقعة نهائي كأس الكونفدرالية الإفريقية أمام الزمالك المصري بأفضل صورة ممكنة، بعدما…
This website uses cookies.