مع إسدال الستار على تربص شهر مارس، يدخل المنتخب الوطني الجزائري المرحلة الأكثر حساسية في تحضيراته لكأس العالم، حيث لم يتبق في البرنامج سوى اختبار ودي واحد مؤكد أمام منتخب هولندا. معطى يبدو، رغم قوة “الطواحين”، محدودا قياسا بحجم التحدي المنتظر، خاصة في ظل الغموض الذي يحيط بإمكانية إضافة مواجهة ثانية، بعد سقوط خيار ملاقاة منتخب إيطاليا الذي أخفق في بلوغ المونديال.
وضع يفتح باب التساؤل: هل تكفي مباراة واحدة لصقل الجاهزية، أم أن الخضر مقبلون على رهان محفوف بالمخاطر؟
عمليا، لا يعد الاكتفاء بودية واحدة الخيار المثالي في هذه المرحلة الدقيقة من التحضيرات. فالفاصل الزمني الذي قد يتجاوز أسبوعين دون خوض أي مباراة يهدد بإفقاد اللاعبين نسق المنافسة، وهو معطى غالبا ما ينعكس سلبا على بداية المشوار في البطولات الكبرى، حيث يكون الدخول القوي عنصرا حاسما في رسم المسار.
وتزداد حساسية هذا الجانب أكثر، إذا ما علمنا أن الاختبار الافتتاحي سيكون أمام منتخب الأرجنتين، بطل العالم، وأحد أكثر المنتخبات قدرة على معاقبة أي تراجع في الجاهزية.
أما فنيا، فقد أظهرت المواجهة الودية الأخيرة أمام الأوروغواي أن مشروع الناخب الوطني فلاديمير بيتكوفيتش لا يزال في طور التشكل. ورغم المؤشرات الإيجابية، إلا أن الانسجام الجماعي لم يبلغ بعد المستوى المطلوب، خاصة في منطقة الوسط التي تعد محور التوازن داخل المنظومة. كما أن تطبيق العمل دون كرة، القائم على تحرك الفريق ككتلة واحدة (Bloc) لإغلاق المساحات ومنع الاختراقات بين الخطوط، لا يزال بحاجة إلى دقة أكبر في التوقيت وتناسق أوضح بين الدفاع والوسط والهجوم.
هذه التفاصيل تكتسي أهمية مضاعفة بالنظر إلى طبيعة المجموعة التي تضم إلى جانب الأرجنتين كلا من النمسا والأردن. تنوع المدارس الكروية يفرض جاهزية تكتيكية مرنة، وقدرة على التكيف مع سيناريوهات مختلفة. وهو ما يصعب بلوغه في ظل برنامج تحضيري محدود لا يتيح هامشا كافيا للتجريب والتصحيح.
من هذا المنطلق، يبدو خيار برمجة مباراة ودية ثانية أقرب إلى الضرورة منه إلى الرفاهية. اختبار إضافي من شأنه أن يمنح الطاقم الفني فرصة لضبط الإيقاع التنافسي، وتثبيت الآليات التكتيكية، ومنح دقائق لعب حاسمة لعناصر تبحث عن مكانها في التشكيلة الأساسية. أما بخصوص هوية المنافس، فستكون المفاضلة منطقية بين منتخب أوروبي بأسلوب قريب من النمسا، أو خيار آسيوي لمحاكاة مواجهة الأردن، بما يضمن تحضيرا دقيقا لمختلف تحديات الدور الأول.
في المحصلة، تقف تحضيرات المنتخب الوطني على مفترق طرق حاسم بين الاكتفاء بحد أدنى من المباريات أو السعي نحو إعداد أكثر شمولا وواقعية. وبين هذا وذاك، يبقى الرهان الأكبر هو بلوغ الجاهزية المثالية في التوقيت المناسب، لأن التفاصيل الصغيرة في مثل هذه المواعيد الكبرى كثيرا ما تصنع الفارق بين مشاركة عادية ومشوار يُخلّد في الذاكرة.

