ليست كل ثلاثية مجرد ليلة موفقة، وبعض المباريات تكشف أكثر مما تصنع. ما قدمه حسام عوار أمام الغرافة، بتسجيله ثلاثة أهداف وصناعته هدفا رابعا، لم يكن انفجارا عابرا، بل تلخيصا مكثفا لدور هجومي بات واضحا في تجربته مع اتحاد جدة… لاعب وسط يقترب من المرمى بوعي المهاجم، ويظهر حين تحتاج المباراة إلى لمسة حاسمة.
الأرقام تؤكد أن الأمر يتجاوز حدود مباراة واحدة. فعلى الرغم من الغيابات التي فرضتها الإصابة هذا الموسم، سجل عوار ثمانية أهداف وقدم تمريرتين حاسمتين في تسع عشرة مباراة، وهي حصيلة تعكس فعالية عالية مقارنة بعدد الدقائق التي خاضها.
وإذا عدنا إلى الموسم الماضي، نجده أحد أبرز مفاتيح تتويج الاتحاد بالثنائية المحلية، بعدما وقع على ثلاثة عشر هدفا وأربع تمريرات حاسمة في 34 مواجهة، مع حضور متكرر في اللحظات التي كانت تتطلب شخصية تحسم.
لكن قيمة عوار لا تختزل في عدد الأهداف، بل في طبيعتها. هو لاعب لا يكتفي بصناعة اللعب خارج المنطقة، بل يهاجمها.
يتحرك بين الخطوط ببراعة، يقرأ الكرات المرتدة بسرعة، ويتعامل مع المساحات الضيقة بقرار سريع ولمسة مختصرة. لا يعتمد على التفوق البدني، بل على التوقيت، وهذه ميزة غالبا ما تصنع الفارق في المباريات المغلقة، حين تصبح أنصاف الفرص هي الفاصل الحقيقي.
من هنا يفرض السؤال نفسه: هل يحصل المنتخب الوطني على هذه النسخة من حسام عوار؟ أم أن أدواره أحيانا تبعده خطوة عن المنطقة التي يصنع فيها الفارق الأكبر؟
فالمنتخب لا يعاني من نقص في لاعبي الوسط الهجومي، لكنه عانى في أكثر من محطة من غياب اللاعب الذي يحول الاستحواذ إلى هدف. هذه المفارقة ظهرت بوضوح في مباريات امتلك فيها الخضر السيطرة دون أن تترجم إلى فعالية داخل الصندوق، خاصة في ظل غياب مهاجم صريح يضمن الاستمرارية التهديفية.
وحين يسجل لاعب وسط حصيلة تفوق ما يملكه مهاجمو منتخب بلاده، فإن النقاش لا يتعلق بمكانته، بل بكيفية توظيفه.
صحيح أن عوار لا يملك خصائص رأس الحربة التقليدي من حيث القوة أو الحضور الهوائي، لكن طبيعة التحركات المرنة التي اعتمدها المنتخب في بعض الفترات تفتح له مجالا مختلفا.
في حال الاعتماد على مهاجم متحرك مثل عمورة، يمكن لعوار أن يتمركز خلفه في مساحة أقرب إلى منطقة الحسم، لا كصانع لعب بعيد عن المرمى، بل كعنصر يتسلل بين الخطوط ويظهر داخل الصندوق في التوقيت المناسب. بهذا الدور، يصبح أقرب إلى مهاجم ثاني متأخر يربط الوسط بالهجوم بسلاسة، ويمنح المنظومة عمقا إضافيا، مع تحرير عمورة من الصراعات البدنية لصالح استثمار سرعته في المساحات المفتوحة.
في المقابل، تختلف طبيعة أدوار لاعبين مثل إبراهيم مازة، الذي يميل إلى صناعة اللعب من الخلف وكسر الخطوط بالتمرير والخروج تحت الضغط. تحويله إلى لاعب يهاجم الصندوق باستمرار قد يحد من تأثيره في البناء.
المسألة هنا ليست مقارنة في القيمة، بل في توزيع الأدوار بما يخدم التوازن العام للمنظومة.
يبقى الآن الاحتمال مفتوحا على سيناريوهين واضحين… إما الاستمرار في منظومة مرنة دون رأس حربة تقليدي، وهنا قد يكون عوار أحد المفاتيح القادرة على رفع الفعالية داخل المنطقة، أو العودة إلى مهاجم صريح، وعندها ستتغير الحسابات وتصبح المنافسة على صناعة اللعب أكثر وضوحا. في الحالتين، تظل النقطة الجوهرية واحدة: عوار لاعب يكبر كلما اقترب من المرمى.
في النهاية، لا يتعلق النقاش بأحقية حسام عوار في مكان ضمن التشكيلة، فذلك تحسمه قيمته وأرقامه وثقة الطاقم الفني فيه.
المسألة أدق من ذلك: هل يوضع فعلا في المساحة التي تبرز أفضل نسخة منه؟ فأحيانا لا يحتاج الفريق إلى اسم جديد بقدر ما يحتاج إلى إعادة تموضع بسيطة، خطوة إضافية نحو منطقة ال18 متر قد تغيّر الكثير.

