في مشهد يعكس عمق أزمة التحكيم الإفريقي وازدواجية المعايير داخل أروقة الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، وجدت الاتحادية الجزائرية لكرة القدم (الفاف) نفسها مرة أخرى أمام حائط الصمت، رغم لجوئها إلى القنوات الرسمية والشرعية للاحتجاج والتنديد.
بعد المباراة المثيرة للجدل التي جمعت المنتخب الجزائري بنظيره النيجيري، والتي شهدت أخطاء تحكيمية فادحة أثرت بشكل مباشر على مجريات اللقاء ونتيجته، سارعت الفاف إلى تقديم طعن رسمي ضد الطاقم التحكيمي، وعلى رأسه الحكم أتشو، مطالبة بفتح تحقيق ومساءلة المسؤولين عن الأداء الكارثي الذي أضرّ بمبدأ النزاهة وتكافؤ الفرص.
غير أن ردّ الكاف جاء صادمًا، بل مستفزًا، حين قررت تعيين الحكم ذاته لإدارة مباراة من العيار الثقيل بين مصر والسنغال، في خطوة فُهمت على نطاق واسع على أنها تجاهل صريح لاعتراضات الفاف، وضرب بعرض الحائط لمطالب الإصلاح والشفافية التي تنادي بها عدة اتحادات إفريقية.
هذا القرار أعاد إلى الواجهة تساؤلات قديمة متجددة حول معايير تعيين الحكام داخل الكاف، ومدى جدية الهيئة القارية في محاربة الأخطاء التحكيمية المتكررة، التي باتت تهدد مصداقية المسابقات الإفريقية وتفقد الجماهير ثقتها في عدالة المنافسة. فكيف يُعقل أن يُكافأ حكم محل طعن رسمي بإدارة مباراة حساسة، بدل إبعاده مؤقتًا على الأقل إلى حين الفصل في الشكوى.
الفاف، من جهتها، لم تخرج عن الإطار المؤسساتي، ولم تلجأ إلى التصعيد الإعلامي أو الشعبوي، بل اختارت لغة القانون واللوائح، دفاعًا عن حقوق المنتخب الوطني واحترامًا للمسار التنظيمي. غير أن صمت الكاف، أو تجاهلها المتعمد، يضع علامات استفهام كبيرة حول استقلالية قراراتها وقدرتها على الاستماع لانشغالات أعضائها دون انتقائية.
القضية لا تتعلق بالجزائر وحدها، بل تمسّ جوهر كرة القدم الإفريقية. فاستمرار الأخطاء التحكيمية دون محاسبة، والتعامل معها بسياسة “الأمر الواقع”، يفتح الباب أمام الشك، ويغذّي الإحساس بالظلم لدى المنتخبات والأندية، ويحوّل الملاعب إلى ساحات جدل بدل أن تكون فضاءات تنافس شريف.
إن ما يحدث اليوم يستدعي وقفة جادة من الكاف، ومراجعة شاملة لآليات التعيين والتقييم والمساءلة، لأن كرة القدم لا تُدار بالصمت ولا بتجاهل الاحتجاجات المشروعة، بل بالشفافية والعدل واحترام القوانين. أما الاكتفاء بتصمّ الآذان، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة وتوسيع هوة الثقة بين الهيئة القارية وأعضائها.

