يدخل المنتخب الوطني الجزائري منعرجا مهما في تحضيراته، عندما يواجه منتخب الأوروغواي في ثاني اختبار ودي ضمن تربصه الجاري بإيطاليا، وذلك بعد عرض هجومي لافت أمام غواتيمالا تُوّج بسباعية عكست الفوارق الكبيرة بين المنتخبين.
غير أن مواجهة “السيليستي” تختلف من جميع الجوانب. مستوى، نسق، صرامة تكتيكية، وحتى طبيعة الاختبار الذي ينتظر أشبال فلاديمير بيتكوفيتش.
فبعد مباراة أولى طغى عليها الطابع التجريبي، سيكون المنتخب هذه المرة أمام مواجهة أقرب إلى محاكاة حقيقية لما ينتظره في كأس العالم بعد أسابيع قليلة، ما يطرح تساؤلا محوريا: هل يواصل الناخب الوطني سياسة التدوير ومنح الفرص في هذا التربص، أم يتجه نحو تثبيت ملامح التشكيلة الأقرب لخوض غمار المونديال؟
منذ توليه العارضة الفنية، أبدى بيتكوفيتش ميلا واضحا نحو الاعتماد على عناصر الخبرة، غير أن القائمة الأخيرة عكست توجها مغايرا، يقوم على توسيع قاعدة الخيارات ومنح الفرصة لأكبر عدد ممكن من اللاعبين. وقد تجسد ذلك فعليا في مواجهة غواتيمالا، من خلال التغييرات العديدة وتجريب بعض الأسماء في أدوار مختلفة.
لكن مواجهة الأوروغواي تفرض معطيات مغايرة تماما. فالمنافس يتميز بكثافة بدنية عالية، ضغط متقدم، وسرعة كبيرة في التحول، وهي خصائص تضع المنتخب الجزائري أمام اختبار تكتيكي حقيقي، خاصة وأن هذا اللقاء يندرج ضمن التحضير لمواجهة منتخب الأرجنتين، حامل اللقب وأحد أبرز المرشحين في كأس العالم.
في هذا السياق، يصبح البحث عن الاستقرار أكثر إلحاحا، ليس فقط على مستوى الأسماء، بل أيضا فيما يتعلق بضبط النظام التكتيكي الأنسب لمجاراة هذا النوع من المنتخبات.
من أبرز الملفات التي قد تتطلب مراجعة، مسألة التنظيم الدفاعي. فالثنائي المحوري المعتاد أظهر في أكثر من مناسبة محدوديته أمام المنتخبات التي تعتمد على السرعة والكرات العرضية، وهو ما تجلّى في مواجهات سابقة عانى فيها الخط الخلفي من سوء التمركز وصعوبة التعامل مع الضغط العالي.
في هذا الإطار، يبرز خيار اللعب بثلاثة مدافعين كحل واقعي، يمنح توازنا أكبر، ويسمح في الوقت ذاته بتحرير الظهيرين آيت نوري وبلغالي للقيام بأدوارهما الهجومية دون المجازفة بالتوازن الدفاعي.
ما يجعل الأمر ممكنا هو أن هذا النظام ليس غريبا عن بيتكوفيتش، إذ سبق له اعتماده في تجارب سابقة مع المنتخب السويسري، كما أنه يتماشى مع طبيعة العناصر الحالية، خاصة بوجود لاعبين قادرين على شغل أدوار مختلفة في نفس الوقت.
في خط الوسط، تبدو الخيارات أكثر حساسية، نظرا لطبيعة المنافس. فمواجهة لاعبين من طراز فالفيردي وأوغارتي تتطلب حضورا بدنيا وفنيا في آنٍ واحد، وقدرة على اللعب تحت الضغط وفي المساحات الضيقة.
حيث يبرز تجربب تيطراوي مرة أخرى كخيار منطقي في الارتكاز بعد الأداء المقنع الذي قدمه، فيما يبدو الاعتماد على عناصر ديناميكية مثل بوداوي ومازة ضروريا لضمان التوازن بين الاسترجاع والبناء.
في المقابل، فإن الاعتماد على لاعبين أقل حركية أو أبطأ في اتخاذ القرار قد يطرح إشكاليات حقيقية أمام نسق لعب مرتفع، وهو ما يعيد إلى الواجهة مسألة التوازن التي عانى منها المنتخب في فترات سابقة.
على المستوى الهجومي، تبدو الصورة أكثر وضوحا من الناحية النظرية، لكنها الأصعب تطبيقا على أرض الملعب. بيتكوفيتش سيكون مطالبا بإيجاد التوليفة المثلى بين اللاعبين وابتكار السلاح الهجومي القادر على صناعة الفارق، واختراق الدفاعات الصلبة التي تتميز بها منتخبات مثل الأوروغواي.
وهذا ما يعيد طرح السؤال الأبرز: هل سيواصل بيتكوفيتش الاعتماد على عناصر الخبرة التي شكّلت العمود الفقري للمنتخب في السنوات الأخيرة، أم سيخاطر بضخ دماء جديدة وإدخالها ضمن حساباته للمونديال، حتى لو كان ذلك على حساب بعض الأسماء الثقيلة؟
المعطيات الحالية تشير إلى صعوبة الجمع بين بعض هذه الأسماء ضمن نفس المنظومة، ما قد يدفع المدرب إلى الاستمرار على خطة 4-3-3 الكلاسيكية، باعتبارها الخيار الأكثر توازنا والأقرب إلى قناعاته السابقة.
غير أن هذا الخيار، رغم استقراره، قد لا يكون كافيا لمجاراة منتخبات تعتمد على نسق عالي وتنوع هجومي، وهو ما يفرض التفكير في حلول أكثر مرونة.
بعيدا عن نتيجة اللقاء، تحمل مواجهة الأوروغواي أهمية خاصة، باعتبارها اختبارا حقيقيا لمدى تطور أفكار بيتكوفيتش، وقدرته على معالجة النقائص التي ظهرت في فترات سابقة.
كما أنها قد تمثل أول مؤشر واضح على ملامح التشكيلة التي سيعتمد عليها في كأس العالم، سواء من حيث الأسماء أو الخيارات التكتيكية. وبين مواصلة التجريب أو التوجه نحو الاستقرار، سيجد بيتكوفيتش نفسه أمام ضرورة اتخاذ قرارات أقرب إلى الحسم، في مرحلة لم يعد فيها هامش المناورة واسعا.

