بعد الإقصاء من ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025، عقب الخسارة أمام المنتخب النيجيري، دخل المنتخب الوطني الجزائري مرحلة دقيقة تفرض التوقف عندها بواقعية. فالإقصاء، مهما كانت قسوته، لا يُختزل في نتيجة مباراة واحدة، بقدر ما يكشف مسارا كاملا، بإيجابياته ونقائصه، خاصة وأن الخضر باتوا اليوم على بُعد أشهر قليلة فقط من خوض غمار التحدي الأكبر…نهائيات كأس العالم.
مسار إيجابي أخفى أكثر مما أظهر
لا يمكن إنكار أن المنتخب الجزائري قدّم بداية مثالية في البطولة، بثلاثة انتصارات متتالية في دور المجموعات، أداء ونتيجة، ما منح الانطباع بأن الفريق يسير بثبات في طريقه الصحيح. هذا المسار الإيجابي، ورغم استحقاقه، ساهم في إخفاء بعض الاختلالات التي لم تطفُ إلى السطح إلا عند أول اختبار حقيقي.
ذلك الاختبار جاء أمام الكونغو الديمقراطية، في مباراة معقدة فرضت على بيتكوفيتش وأشباله ضغطا غير مسبوق.
ورغم الصعوبات، نجح المدرب السويسري في تسيير المواجهة، وخرج بفوز ثمين في اللحظات الأخيرة، بفضل “كوتشينغ” ناجح تُوّج بهدف شارك في صناعته أربعة بدلاء، ليحصد إشادة واسعة ويؤكد قدرته على التعامل مع المواعيد الصعبة.
نيجيريا… حين ارتفع السقف
غير أن المشهد تغير كليا أمام منتخب نيجيريا. خصم لا يمنحك الوقت، قوي بدنيا، واضح الأفكار، ويعرف جيدا كيف يضرب في نقاط ضعف منافسيه. هنا، لم يكن الامتحان سهلا، ولم ينجح المنتخب الجزائري في مجاراته، لا من حيث النسق ولا من حيث القراءة التكتيكية.
في هذه المواجهة، بدا فلاديمير بيتكوفيتش أقل توفيقا في إدارة التفاصيل، وظهر متأخرا في قراءة مجريات اللقاء، تاركا للمنافس هامشا مريحا للعب بأسلحته المفضلة، دون أن يجد الخضر الحلول الكفيلة بالحد من خطورته.
اختلالات واضحة… دفاع هش ووسط مختنق
تكتيكيا، عانى المنتخب الجزائري من مشاكل بنيوية واضحة. دفاعيا، واجه الخط الخلفي صعوبات كبيرة أمام الانطلاقات السريعة في ظهر الدفاع، خاصة في ظل بطء ثنائية بن سبعيني وماندي، وعدم القدرة على التحكم في الكرات العرضية أو فرض الصلابة داخل منطقة العمليات.
أما في وسط الميدان، فكان الخلل أكثر إرباكا. دخل بيتكوفيتش المواجهة بوسط يفتقد للخصائص اللازمة للخروج بالكرة تحت الضغط، أمام منتخب اشتهر بضغطه العالي وشراسته البدنية. غابت الحلول واختنق اللعب، خاصة مع الأعباء الدفاعية الإضافية التي كُلّف بها لاعبو الوسط، في ظل التراجع البدني الواضح للأجنحة محرز وشايبي، لتحسم معركة الوسط لصالح النيجيريين، ويفرض أشبال إيريك شيل إيقاعهم على مجريات المباراة بالكامل.
رد فعل متأخر في مباراة لا ترحم
في مثل هذه المواعيد الكبرى، لا يغفر التردد. المؤشرات كانت واضحة منذ نهاية الشوط الأول، وكانت الحاجة ماسة لتعديل تكتيكي أو تغيير في الأسماء، غير أن التدخل تأخر. انتظر بيتكوفيتش إلى غاية تلقي الهدفين ليغير من خطته، حين كانت المباراة قد أفلتت من اليد، وكان المنتخب النيجيري قد فرض سيطرته ذهنيا وتكتيكيا.
الأهداف… مرآة لكل ما سبق
لم تأتي أهداف نيجيريا من فراغ، بل كانت ترجمة دقيقة للاختلالات السابقة. الهدف الأول جاء بعد عرضية وتمركز مثالي لأوسيمين في القائم الثاني، مستغلا ضعف الرقابة والتغطية. أما الهدف الثاني، فكان نتيجة كرة كاسرة للخطوط من أليكس إيوبي، اخترقت الدفاع الجزائري، ووجدت أوسيمين منطلقا في المساحة بين بن سبعيني وماندي، قبل أن يمنح تمريرة حاسمة لآدامز الذي أنهى العملية بهدوء.
ولم تكن هاتان اللقطتان سوى أبرز مشاهد مسلسل كان يمكن أن يكون أثقل، لولا بعض التسرع من المهاجمين النيجيريين.
مراجعة لا تقبل التأجيل
كشفت هذه المباراة حقائق لا يمكن القفز عليها. بعض الأسماء، رغم تاريخها وشخصيتها القيادية، لم تعد قادرة على تقديم الإضافة المطلوبة، بل أصبحت في بعض الفترات عبئا على المنظومة. الإقصاء هنا لا يدعو للقطيعة، لكنه يفرض الشجاعة في اتخاذ القرار.
بيتكوفيتش اليوم مطالب بإعادة النظر في بعض قناعاته، وتوسيع دائرة اختياراته، ومنح الفرصة لعناصر أثبتت قدرتها على تقديم الإضافة كلما سنحت لها الفرصة، مع التخلي عن أفكار تقليدية أفرغت المنتخب من جزء من هويته الحقيقية. فالجزائر كانت دائما أقوى بخفة لاعبيها، بمهاراتهم، وبقتاليتهم، لا باللعب الحذر أو انتظار أخطاء الخصم.
محطات قادمة… وفرصة للتصحيح
المرحلة المقبلة تحمل فرصا لا تعوض. تربص شهر مارس سيكون أول محطة لإعادة التقييم، وتجريب الأسماء، وضبط الخيارات. بعدها، يدخل المنتخب معسكرا تحضيريا مطلع شهر جوان، وهي المرحلة الحاسمة قبل الدخول في أجواء كأس العالم.
الموعد الأبرز سيكون في المواجهة الافتتاحية أمام بطل العالم، منتخب الأرجنتين، يوم 17 جوان، مباراة لا تقبل أنصاف الحلول، وستكون المقياس الحقيقي لمدى قدرة المنتخب على الاستفادة من دروس الماضي والاستعداد لمواجهة التحدي الأكبر.

