حملت المواجهة الودية للمنتخب الوطني الجزائري أمام منتخب غواتيمالا دلالات تتجاوز طابعها التحضيري، بعدما عكست تغيّراً واضحاً في مقاربة الناخب الوطني فلاديمير بيتكوفيتش لإدارة الرصيد البشري، في قطيعة نسبية مع نهج سابق قام على الاستقرار والرهان على نفس القاعدة البشرية.
منذ إعلان القائمة، بدا أن الجهاز الفني يتجه نحو توسيع قاعدة الاختيار، عبر تقليص الاعتماد على جزء من عناصر شاركت في الكان، مقابل إدماج لاعبين أكثر جاهزية من حيث النسق والمردود. هذا التوجه يعكس قراءة مباشرة لما أفرزته المشاركة القارية الأخيرة من محدودية في الحلول، خصوصاً عند الحاجة إلى بدائل قادرة على تغيير إيقاع المباراة أو رفع نسقها في الفترات الحاسمة.
فنياً، لا تسمح مباراة بطابع ودي أمام خصم بمستوى مماثل بإصدار أحكام قاطعة، غير أن المؤشرات الأولية كانت لافتة. بعض الأسماء الجديدة أظهرت جاهزية بدنية وتكتيكية عالية، ما أعاد ترتيب الأولويات داخل المجموعة وفق معيار الأداء الآني لا وفق التسلسل السابق داخل التشكيلة.
تيطراوي، عبادة، غجيميس، بن بوعلي وماستيل، كلهم قدموا أداءً مميزاً. وكأنهم يرسلون رسالة واضحة: الوقت حان لضخ دماء جديدة واعتماد سياسة “الأكثر جاهزية” بدل الاعتماد على عناصر الخبرة نفسها.
المشكلة لم تكن في غياب الخيارات، بل في تأخر الاعتراف بها. فعند تولي بيتكوفيتش مهامه في مارس 2024، كان المنتخب قد خرج من دور المجموعات في نسختين متتاليتين من كأس أمم إفريقيا، وفشل في بلوغ كأس العالم 2022، وهي معطيات كانت تفرض فتح ورشة تجديد مبكرة. غير أن الخيار الذي طغى في البداية كان الحفاظ على الاستقرار، قبل أن تكشف مشاركته القارية الوحيدة تحت قيادته حدود هذا التوجه، رغم بلوغ ربع النهائي، بعد إقصاء مستحق أمام منتخب نيجيريا عكس فارقاً واضحاً في الجاهزية والنجاعة.
هنا يطرح سؤال محوري: ماذا لو اعتمد بيتكوفيتش هذه التغييرات قبل الكان؟ هل كان يمكن للمنتخب أن يذهب أبعد في المسابقة؟ الجواب يبقى مفتوحاً، لكن التجربة الحالية تمنح مؤشراً على أن الأمر كان سيكون أفضل، وأن القدرة على التجديد جزء لا يتجزأ من أي مشروع ناجح.
بناء على ذلك، يمكن قراءة ما يحدث حالياً كتصحيح لمسار أكثر منه تحولاً جذرياً. غير أن قيمة هذا التصحيح لا تقاس فقط بسلامة فكرته، بل بمدى قدرته على إنتاج إضافة فورية، خاصة في ظل اقتراب موعد كأس العالم 2026. فالمنتخب لا يملك هامشاً زمنياً كافياً لبناء طويل، ما يجعل كل قرار مرتبطاً بقدرته على الاندماج السريع داخل منظومة تبحث عن التوازن والفعالية في آن واحد.
وفي هذا السياق، تكتسي المواجهة المرتقبة أمام منتخب الأوروغواي أهمية خاصة، باعتبارها اختباراً أقرب لظروف المنافسة الحقيقية، حيث يمكن قياس مدى قابلية هذه الخيارات للصمود أمام نسق أعلى، وتحديد إن كانت قادرة على التحول من حلول ظرفية إلى مكونات ثابتة في التشكيلة.
في المحصلة، لا يتعلق النقاش بجدوى التجديد بقدر ما يتعلق بإدارته زمنياً. فالتجديد أصبح ضرورة مفروضة، لكن تفعيله جاء في مرحلة ضيقة، ما يحوّله من خيار استراتيجي إلى سباق مع الزمن.
وبين سلامة الفكرة وضيق التوقيت، سيتحدد مصير هذا التوجه: إما أن يتحول سريعاً إلى مكسب فعلي يعيد التوازن للمنتخب، أو يبقى محاولة متأخرة كان بالإمكان أن تُبنى على أسس أهدأ وأكثر استقراراً منذ سنتين.
وما سيحدده الواقع في الأسابيع القليلة المقبلة، ليس ما إذا كان القرار صائباً… بل إن كان قد جاء في الوقت الذي ما زال يسمح له بأن يكون مؤثراً.

