في خضم الحديث المتواصل عن قوة منتخب الأرجنتين باعتباره أبرز منافسي المنتخب الوطني الجزائري في المجموعة العاشرة من كأس العالم 2026، يغفل كثيرون عن تهديد صامت يتسلل بثبات… منتخب النمسا.
فريق لا يملك الهالة الإعلامية نفسها، لكنه يمتلك ما هو أخطر: منظومة متكاملة، أسماء وازنة، ومدرب يعرف جيدا كيف يحول التفاصيل الصغيرة إلى تفوق كبير.
من يقود هذا المشروع هو الألماني رالف رانغنيك، أحد أبرز العقول التكتيكية في أوروبا، والذي أعاد رسم هوية المنتخب النمساوي بأسلوب حديث قائم على الضغط العالي، التحولات السريعة، والانضباط الجماعي الصارم. تجربة الرجل مع مانشستر يونايتد ولايبزيغ منحت مشروعه مصداقية كبيرة، وجعلت من النمسا منتخبا يصعب كسره حتى أمام كبار العالم.
ورغم أن الاسم الأشهر يظل دافيد ألابا، نجم ريال مدريد، إلا أن الثقل الحقيقي بات موزعا على منظومة متكاملة من اللاعبين الذين ينشطون في أعلى مستويات الكرة الأوروبية. يبرز كونراد لايمر كأحد أبرز مفاتيح اللعب في تشكيلة النمسا، بفضل تعدديته التكتيكية وقدرته على أداء أدوار مختلفة بنفس الكفاءة، إلى جانب قدرته على ربط الخطوط. وإلى جانبه، يمنح مارسيل سابيتزر الفريق توازنا وخبرة في إدارة الرتم، بينما يضفي نيكولاس زيفالد، جوهرة لايبزيغ، حيوية وديناميكية إضافية تجعل المنظومة النمساوية أكثر مرونة وخطورة.
لكن الخطر الأكبر يظل في الخط الأمامي، حيث يقف المخضرم ماركو أرناوتوفيتش، الهداف التاريخي للمنتخب، والذي لا يزال قادرا على صناعة الفارق بخبرته ودهائه وحضوره البدني، إلى جانب باتريك فيمر، جناح فولفسبورغ، الذي يمنح الخط الهجومي سرعة وانطلاقات حادة وقدرة على اختراق الدفاعات، ما يجعل الهجوم النمساوي مزيجا متوازنا بين الخبرة والسرعة.
ما يجعل النمسا خصما مقلقا ليس فقط الأسماء، بل الديناميكية الجماعية التي تُترجم فوق أرضية الميدان. نتائج التوقف الدولي الأخير كانت رسالة واضحة: فوز ساحق على منتخب غانا بخماسية مقابل هدف، ثم انتصار مستحق على منتخب كوريا الجنوبية. أرقام تعكس فريقا في تصاعد مستمر، يعرف كيف يفرض أسلوبه دون تردد.
بالنسبة للمنتخب الجزائري، لن تكون هذه المواجهة مجرد محطة لتخطي دور المجموعات، بل اختبارا حقيقيا لقدرة فلاديمير بيتكوفيتش على قراءة خصم منظم، متوازن، وشرس تكتيكيا. فالخطر النمساوي لا يكمن في نجم واحد يمكن تحييده، بل في منظومة متكاملة تتحرك كوحدة واحدة، تضغط بلا هوادة وتستغل أقل الأخطاء. وهذا يفرض على الخضر بلوغ أعلى درجات الجاهزية الذهنية والبدنية، والتركيز على أدق التفاصيل إذا أرادوا فرض أسلوبهم والنجاة من كمائن الخصم.
في النهاية، لا تبدو النمسا خصما عاديا يمكن العبور عليه بسهولة، بل مشروع منتخب متكامل ينمو بهدوء، مدعّم بلاعبين ينشطون في أعلى المستويات الأوروبية، ما يمنحه صلابة وتجربة تُصعّب من مهمة أي منافس.
وبين طموحات الحاضر وثقل الذاكرة، يجد الخضر أنفسهم أمام اختبار يتجاوز الطابع الرياضي، خاصة وأن مواجهة النمسا تعيد إلى الأذهان شبح فضيحة خيخون، بكل ما تحمله من مرارة راسخة في الوجدان الجزائري.
اليوم، يقف فلاديمير بيتكوفيتش أمام معادلة دقيقة: كيفية تفكيك “الخطر الصامت” دون الوقوع في فخه، وتحويل الحذر إلى قوة دافعة بدل أن يتحول إلى عبء ذهني.
فهل ينجح الخضر في فرض منطقهم وكتابة انتصار بطعم خاص؟ أم أن النمسا ستؤكد مرة أخرى أنها الخصم الذي لا يُحدث ضجيجا… لكنه يُؤلم حين يضرب؟

