تواصل البطولة الوطنية تكريس واحدة من أكثر الظواهر إثارة للجدل في كرة القدم الجزائرية، والمتمثلة في الغياب شبه التام للاستقرار الفني، في مشهد لم يعد مفاجئا بقدر ما أصبح سمة ثابتة من سمات المنافسة. فمع توالي الجولات، تهاوى أغلب المدربين الذين استهلوا الموسم مع أنديتهم بين إقالات واستقالات، في مؤشر واضح على هيمنة سياسة قصيرة النفس وغياب مشاريع رياضية حقيقية قائمة على البناء والاستمرارية.
وفي خضم هذا “الإعصار الفني”، لم ينجُ سوى مدربين اثنين فقط: راموفيتش مع شباب بلوزداد، ومنير زغدود على رأس العارضة الفنية لنجم بن عكنون، في مفارقة لافتة تعكس حجم الاضطراب الذي تعيشه غالبية الأندية، وتطرح في الوقت ذاته تساؤلات جدية حول طبيعة التسيير الكروي في البطولة الوطنية.
رحيل المدربين لم يعد حدثا استثنائيا، بل تحول إلى سلوك متكرر يعكس غياب رؤية واضحة لدى العديد من الإدارات، التي تلجأ إلى تغيير الطواقم الفنية كحل سريع عند أول تعثر، بدل التعمق في جذور الأزمة، سواء تعلّق الأمر بتركيبة التعداد، أو بضعف التخطيط الرياضي، أو حتى بسوء إدارة الضغوط المحيطة بالفريق.
والمثير أن موجة التغييرات لم تقتصر على الأندية المتعثرة في أسفل الترتيب، بل طالت أيضا فرقا تنافس على الألقاب، في صورة تعكس حجم التخبط.
كما دخلت بعض الأندية في دوامة حقيقية من التغييرات المتتالية على مستوى العارضة الفنية، ما انعكس سلبا على الأداء العام والاستقرار التقني. فعلى سبيل المثال، بدأ اتحاد خنشلة الموسم تحت قيادة جيلالي بهلول، قبل أن يتولى التونسي مراد عقبي المهمة، ليغادر بدوره ويعين دزيري بلال خلفا له. السيناريو ذاته عاشته مولودية البيض، التي تعاقب على تدريبها كل من شريف حجار، ثم محمد لاسات، وصولا إلى مجدي الكردي. أما نادي بارادو، فعاش نفس الحالة ليجد نفسه بدوره في دوامة نتائج سلبية زادت من تعقيد وضعيته في جدول الترتيب وجعلته قريبا من الهبوط.
في المقابل، يبرز راموفيتش وزغدود كنموذجين نادرين للاستمرارية، حيث استفاد فريقاهما من حد أدنى من الاستقرار سمح بوضوح في العمل وتدرج في النتائج. فشباب بلوزداد، ورغم بعض التذبذب، استعاد توازنه تدريجيا وعاد لفرض نفسه ضمن دائرة المنافسة على مختلف الجبهات. أما نجم بن عكنون، فرغم محدودية الإمكانيات مقارنة بمنافسيه، يقدّم موسما لافتا جعله يحتل مرتبة متقدمة ويصعّب المهمة على كل خصومه.
هذا التباين يعيد طرح سؤال جوهري: هل تكمن المشكلة فعلا في المدربين، أم في بيئة عمل تفتقر إلى أبسط مقومات الاستقرار والاحتراف؟
في المحصلة، لا تبدو البطولة الوطنية في حاجة إلى تغيير الأسماء بقدر ما تحتاج إلى تغيير الذهنيات. فبدون مشاريع واضحة وصبر إداري حقيقي، سيبقى “حرق المدربين” عنوانا دائما لمشهد يتكرر كل موسم، دون أن تتغير نتائجه.

