بانتهاء فترة التحويلات الشتوية، وجدت جماهير مولودية الجزائر نفسها أمام مفارقة تفرض النقاش أكثر من أي وقت مضى. فريق تملكه شركة عملاقة بحجم مجمع سوناطراك، وتدعمه أسماء تجارية وازنة محليا ودوليا مثل Hisense، Peak، Infinix، Ooredoo، إيفري، F H، وCrocs، فضلا عن مداخيل ثابتة من متجر النادي بملعب دويرة، المتجر الإلكتروني، وعائدات التذاكر… ومع ذلك، اختُزل الميركاتو الشتوي في صفقة واحدة فقط، محلية، بضم شهر الدين بوخلدة من مولودية وهران.
هذا التناقض الصارخ يفتح باب التساؤل…كيف لفريق بكل هذه الموارد أن يمر على ميركاتو كامل دون تدعيمات نوعية، في وقت يعاني فيه العميد فنيا في مراكز واضحة للعيان؟
حاجيات فنية معروفة… لكن دون رد فعل
بعيدا عن المبالغة، لا يختلف اثنان على أن المولودية تعاني هذا الموسم في بعض المراكز الحساسة، سواء من حيث النجاعة الهجومية، صناعة اللعب، أو عمق دكة البدلاء في بعض الخطوط. وهي نقائص ظهرت بوضوح في عدة مباريات، محليا وقاريا، وكان من المنتظر أن يكون الميركاتو الشتوي فرصة على الأقل لمعالجتها جزئيا.
غير أن الإدارة اختارت طريقا آخر، طريق الاكتفاء، ما يجعل السؤال مشروعا: هل ترى إدارة الحاج رجم أن “السكواد” الحالي كافي فعلا لتحقيق الأهداف المسطرة؟
الدوري في الجيب… فلماذا المجازفة؟
من زاوية الأرقام، قد يبدو خيار الإدارة منطقيا. فالمولودية تتصدر البطولة بفارق 12 نقطة كاملة عن أقرب الملاحقين، وحظوظها كبيرة جدا في التتويج باللقب الثالث تواليًا والعاشر في تاريخ النادي.
هذا المعطى قد يكون دفع الإدارة إلى الرهان على الاستقرار، وتفادي إدخال عناصر جديدة قد لا تنسجم سريعا مع المجموعة، خاصة في مرحلة حساسة من الموسم.
لكن، هل يكفي ضمان اللقب المحلي لتبرير الغياب شبه التام عن الميركاتو؟
الواجهة الإفريقية… خارج الحسابات؟
في المقابل، يبدو أن الملف القاري لم يكن أولوية حقيقية. فالمولودية واقعيا ابتعدت عن المنافسة الإفريقية، رغم بقاء آمالها قائمة “حسابيا” في حال الفوز بالمباريات الثلاث المتبقية.
غياب أي محاولة لتقوية الفريق من أجل إنعاش هذا الأمل، يوحي بأن الإدارة ربما اختارت عدم الاستثمار في مسابقة ترى أن حظوظها فيها ضعيفة، مفضلة التركيز كليا على المسار المحلي.
وهنا يطرح أنصار العميد سؤالا مؤلما لكنه واقعي:
هل أصبحت المشاركة الإفريقية هدفا ثانويا في نادي بحجم وتاريخ مولودية الجزائر؟
ترشيد نفقات أم تأجيل للطموح؟
تفسير آخر لا يقل وجاهة يتمثل في رغبة الإدارة في تفادي الصفقات “الترقيعية”، التي غالبا ما تُكلف الكثير دون إضافة حقيقية، مع تفضيل ادخار هذه الأموال لمشاريع أخرى، أو للدخول بقوة أكبر في الميركاتو الصيفي المقبل، عبر تحضير أعمق وانتدابات مدروسة بعناية.
سياسة قد تكون حكيمة من منظور التسيير، لكنها تبقى محفوفة بالمخاطر جماهيريا، في نادي تعود أنصاره على المنافسة لا الاكتفاء بالحسابات.
ما الذي لا نعرفه؟
ورغم كل هذه الفرضيات، يبقى احتمال وجود أسباب داخلية غير معلنة قائما، أسباب قد تفسر هذا التحفظ غير المعتاد، لكنها في المقابل تترك فراغا في التواصل مع جماهير متعطشة للألقاب، ولرؤية فريقها ينافس بقوة في القارة السمراء، لا أن يكتفي بلقب محلي مهما كانت قيمته.
بين وفرة الموارد، وراحة الترتيب، وبرودة الميركاتو، تقف مولودية الجزائر أمام مفترق طرق في مشروعها الرياضي.
فإما أن يكون هذا الهدوء خيارا استراتيجيا مدروسا ستتضح نتائجه لاحقا، وإما أنه طموح مؤجل قد يدفع ثمنه الفريق حين يواجه منافسين أكثر جرأة على المستوى القاري.

