في كرة القدم، اعتدنا أن نقيس قوة المتصدر بقدرته على التسجيل، وأن نربط الصدارة بالغزارة الهجومية والنجاعة أمام المرمى. لكن ما يحدث هذا الموسم في بطولة الرابطة المحترفة الأولى يكسر هذه القاعدة التقليدية، ويضعنا أمام مفارقة نادرة: مولودية الجزائر تتربع على عرش الترتيب منذ الجولات الأولى، لكنها في الوقت ذاته تملك أحد أضعف خطوط الهجوم في المسابقة.
هي معادلة تبدو متناقضة للوهلة الأولى، لكنها تختزل قصة موسم كامل، عنوانه العريض: الصدارة بلا أنياب.
عند العودة إلى لغة الأرقام، تتضح الصورة أكثر. الموسم الماضي، أنهت المولودية البطولة بطلة بأسلوب هجومي واضح المعالم، مسجلة 39 هدفا في 30 مباراة، بمعدل تهديفي مريح يعكس شخصية فريق يعرف كيف يحسم المواجهات.
أما هذا الموسم، فالصورة مختلفة تماما. الفريق لم يسجل سوى 18 هدفا، بمعدل يقارب هدفا واحدا في المباراة. رقم يضعه كرابع أسوأ هجوم في البطولة، متقدما فقط على ثلاثة فرق مهددة بالسقوط:
مولودية البيض، ترجي مستغانم وأولمبي الشلف
أن يتصدر فريق الدوري وهو يتقاسم إحصائيات هجومية مع فرق تصارع من أجل البقاء، فذلك أمر يطرح أكثر من علامة استفهام.
الواقع أن صدارة العميد لم تأتي بفضل قوة هجومية ضاربة، بل عبر صلابة دفاعية وانضباط تكتيكي واضح. الفريق يجيد التحكم في نسق المباريات، ويحسن إدارة التقدم في النتيجة، ولو بهدف وحيد.
غير أن هذا النهج، رغم فعاليته في حصد النقاط، يحمل في طياته مخاطرة كبيرة. فحين يغيب الهدف الذي يقتل المباراة، يبقى الفريق تحت ضغط دائم، وأي هفوة قد تكلفه نقطتين أو ثلاثا. وهذا ما حدث في الجولات الأخيرة، حيث ضاعت نقاط ثمينة بسبب غياب الحسم في الفترات الحساسة.
الفارق المريح الذي كان يفصل المولودية عن ملاحقيها تقلص، والثقة التي كانت تحيط بالمجموعة بدأت تهتز، ليس بسبب تراجع في النتائج فقط، بل بسبب شعور عام بأن الفريق لا يملك القدرة على ضرب خصومه متى شاء.
السؤال الجوهري الذي يُطرح اليوم في بيت المولودية: أين يكمن الخلل؟
هل يتعلق الأمر بطريقة تفكير المدرب موكوينا؟
أم أن المشكلة أعمق، وترتبط بنوعية العناصر المتوفرة؟
الفريق يلعب في أغلب مبارياته دون رأس حربة صريح، ودون مهاجم يحمل صفة “القناص” القادر على تحويل أنصاف الفرص إلى أهداف. ورغم أن الفريق يصنع عددا معتبرا من الفرص في عدة مواجهات، إلا أن اللمسة الأخيرة تظل الحلقة المفقودة.
غياب الاسم الهجومي الثقيل، ذلك اللاعب الذي يزرع الشك في دفاعات المنافسين قبل انطلاق المباراة، يبدو واضحا. فالمولودية تعتمد على حلول جماعية، وعلى تنوع في مصادر التسجيل، لكنها تفتقد إلى المرجعية الهجومية الثابتة التي تطمئن الأنصار في اللحظات الحاسمة.
الآن، تدخل المولودية مرحلة حساسة من الموسم، حيث تزداد الضغوط، وتقل هوامش الخطأ. والحفاظ على الصدارة يتطلب القدرة على قتل المباريات، وتجنب السيناريوهات التي تبقي المنافسين في دائرة الأمل.
اللغز ما يزال قائما: كيف يمكن لفريق أن يتصدر بأحد أضعف الهجومات؟
لكن السؤال الأهم ليس كيف وصل إلى هنا، بل هل يستطيع الاستمرار بهذه المعادلة حتى خط النهاية؟

