مع اقتراب موعد كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، يتجدد الحديث داخل الشارع الرياضي الجزائري حول قدرة المنتخب الوطني على تجاوز الدور الأول، خاصة أن النسخة المقبلة ستقام بنظام جديد يضم 48 منتخبا، ما يجعل بلوغ الدور الثاني هدفا أكثر واقعية من السابق، بل إن كثيرا من المتابعين يرون أن المرور إلى الأدوار الإقصائية لم يعد وحده كافيا للحكم على نجاح المشاركة، بالنظر إلى اتساع قاعدة المتأهلين وارتفاع سقف الطموحات لدى الجماهير الجزائرية.
وزادت القرعة من حجم النقاش، بعدما أوقعت المنتخب الوطني في مجموعة تضم الأرجنتين والنمسا والأردن، وهي مجموعة تبدو متفاوتة من حيث المستوى، إذ ستكون الأرجنتين المرشح الأبرز لصدارة المجموعة، بينما تبدو المنافسة مفتوحة بين الجزائر والنمسا على البطاقة الثانية، مع عدم استبعاد قدرة الأردن على قلب الموازين إذا أحسن استغلال مبارياته.
المنتخب الوطني بقيادة المدرب فلاديمير بيتكوفيتش يدخل هذا الموعد وهو يملك مزيجا من الخبرة والطموح، حيث لا يزال رياض محرز يمثل أحد أبرز أسلحة الفريق بفضل خبرته الكبيرة في المواعيد الدولية وقدرته على صناعة الفارق في الثلث الأخير، بينما يمنح إسماعيل بن ناصر التوازن في وسط الميدان بفضل رؤيته وتحكمه في نسق اللعب، في حين يواصل عيسى ماندي لعب دور القائد في الخط الخلفي بخبرته الطويلة في البطولات الأوروبية والدولية.
وإلى جانب هذه الأسماء، يراهن الطاقم الفني على جيل جديد بدأ يفرض نفسه تدريجيا، يتقدمهم ريان آيت نوري بقدراته الهجومية من الرواق، وفارس شايبي الذي يمنح حلولا متنوعة في الوسط، إضافة إلى أمين غويري الذي قد يشكل أحد أهم الأوراق الهجومية، فضلا عن أسماء صاعدة مثل إبراهيم مازة وأنيس حاج موسى التي بدأت تطرق باب المنتخب بقوة، وهو ما يمنح بيتكوفيتش هامشا أوسع في بناء تشكيلة أكثر تنافسية.
لكن حظوظ الجزائر في بلوغ الدور الثاني لن تتوقف على قيمة الأسماء فقط، لأن المنتخبات التي تنجح في كأس العالم هي تلك التي تملك هوية جماعية واضحة. وهنا يبقى التحدي الحقيقي أمام بيتكوفيتش في تحويل هذه المجموعة إلى فريق متجانس، خاصة أن المنتخب لا يزال يبحث عن استقرار كامل في بعض المناصب، وعلى رأسها حراسة المرمى، حيث لم تُحسم الصورة النهائية بشكل واضح، إضافة إلى استمرار بعض التذبذب في المنظومة الدفاعية خلال المباريات الأخيرة.
وتبدو مواجهة الأرجنتين الأصعب على الورق، ليس فقط بسبب القيمة الفنية للمنافس، بل لأن نتيجة هذه المباراة قد تؤثر معنويا على بقية المشوار، ما يفرض على المنتخب الوطني التعامل معها بذكاء كبير. أما مواجهة النمسا فقد تكون مفتاح التأهل الحقيقي، باعتبارها مباراة مباشرة على المركز الثاني، في حين تبدو مواجهة الأردن فرصة مهمة لتحقيق نتيجة إيجابية، لكنها قد تحمل صعوبات خاصة بحكم الطابع العربي المشترك والتقارب في الدوافع.
الجيل الحالي يملك نوعية فنية محترمة، لكنه مطالب بإظهار شخصية أكبر في المباريات الكبيرة، لأن مباريات كأس العالم تختلف تماما عن بقية المنافسات، من حيث الضغط الذهني والنسق العالي والقدرة على استغلال أنصاف الفرص. فالتفاصيل الصغيرة مثل الانضباط التكتيكي، التعامل مع الكرات الثابتة، والقدرة على الحفاظ على التركيز طوال تسعين دقيقة، قد تكون العامل الفاصل بين الخروج المبكر أو مواصلة المشوار.
كما أن النظام الجديد للبطولة قد يمنح المنتخب الوطني فرصة أكبر، لأن بعض أصحاب المركز الثالث قد يتمكنون من العبور، وهو ما يجعل الحسابات أقل تعقيدا مقارنة بالنسخ السابقة. غير أن ذلك يفرض في المقابل مسؤولية إضافية، لأن جماهير الجزائر لن تنظر إلى التأهل للدور الثاني على أنه إنجاز استثنائي، بل كحد أدنى لمنتخب يملك لاعبين ينشطون في مستويات عالية داخل أوروبا.
وبالنظر إلى المعطيات الحالية، فإن حظوظ المنتخب الوطني في بلوغ الدور الثاني تبدو حقيقية ومنطقية، لكن النجاح الحقيقي لن يقاس فقط بالمرور من الدور الأول، بل بالصورة التي سيظهر بها المنتخب، ومدى قدرته على تأكيد أن الجزائر عادت لتكون منتخبا قادرا على فرض احترامه في أكبر محفل كروي عالمي.
صابر غالم

