ليس من السهل التوجه إلى كأس العالم بهذا القدر من الوفرة في مركز واحد. ففي الوقت الذي ينشغل فيه معظم المدربين بالبحث عن حلول لسدّ النقص، يجد فلاديمير بيتكوفيتش نفسه أمام معضلة معاكسة تماما… فائض في الخيارات يفرض عليه استبعاد أسماء جاهزة بدل تعويض غيابات. ومع اقتراب الموعد العالمي، يتحول مركز الجناح إلى واحدة من أعقد عقده الفنية، حيث لا يتعلق التحدي بمن يستحق التواجد، بقدر ما يدور حول من سيبقى خارج الحسابات.
على الجهة اليمنى تحديدا، يبدو المشهد أكثر تعقيدا مما يوحي به الظاهر. لا تسلسل هرمي واضح يسهّل القرار، ولا اسم يمكن إخراجه من الحسابات دون نقاش. الجميع يقدم نفسه بأداء مقنع، ما يجعل الفوارق شبه غير مرئية… ويحول المنافسة إلى صراع تحسمه التفاصيل الدقيقة، لا الأفضلية الواضحة.
في واجهة الأسماء الصاعدة بقوة، يبرز فارس غجميس كأحد أبرز الاكتشافات الهجومية في الفترة الأخيرة، حيث لم يكن ظهوره الأول مع المنتخب خلال تربص مارس سوى لمحة أولى عن شخصية لاعب قادر على التأقلم السريع وفرض نفسه، ثم تأتي أرقامه مع فروزينوني هذا الموسم لتؤكد الاستمرارية، عبر مساهمات تهديفية منتظمة وضعته في صدارة المحترفين الجزائريين من حيث الفعالية الهجومية، وجعلت وجوده في قائمة المونديال أقرب إلى منطق الاستحقاق.
على خط موازٍ، عاد إيلان قبال من فترة تذبذب كادت تبعده عن المشهد، لكنه اختار التوقيت المثالي للرد، حيث جاء أداؤه في الجولة الأخيرة أمام ميتز ليؤكد استعادة الثقة، مقدما أحد أفضل مستوياته هذا الموسم، فهو لاعب يتحرك بذكاء بين الخطوط، يكسر الإيقاع حين يلزم، ويمنح حلولا تكتيكية تتجاوز مركز الجناح التقليدي، ما يجعله خيارا مرنا ومؤثرا في يد المدرب.
أما بشير بلومي، فتبدو قصته أكثر تعقيدًا، لكنها لا تخلو من الإيجابية، إذ إن عودته من إصابة طويلة لم تُفقده جرأته ولا أسلوبه المباشر، ولم تُضعف طموحه في الظهور الأول بقميص “المحاربين” وإحياء إرث والده. فمع هال سيتي يواصل بلومي تقديم مستويات تعكس لاعبا يرفض الهامش ويبحث عن التأثير في كل ظهور، بفضل سرعته في التحول، وقدرته على كسب المواجهات الفردية، واستعداده لتحمل المسؤولية هجوميا، ما قد يجعله ورقة إضافية ضمن خيارات “بيتكو”.
وسط هذا الزخم، يبقى اسم رياض محرز حاضرا كمرجعية ثابتة لا تتغير، إذ إن ما يقدمه مع الأهلي السعودي يتجاوز لغة الأرقام، رغم أهميتها، ليعكس نضجا كرويا في أعلى مستوياته، فقيادته لفريقه إلى نهائي النخبة الآسيوية للموسم الثاني تواليا تؤكد أنه لا يزال لاعب الحسم في المواعيد الكبرى. لاعب لم يعد يعتمد على الانفجار البدني أو المهارة الفردية بقدر ما تحول إلى “لاعب لحظة” بامتياز، يقرأ التفاصيل الدقيقة ويستثمرها بذكاء تكتيكي يمنحه أفضلية حاسمة، وهي خصائص تكتسب قيمة مضاعفة في رهانات بحجم كأس العالم.
ولا يمكن إغفال ما يقدمه أنيس حاج موسى، الذي يواصل فرض نفسه في الملاعب الهولندية مع فينورد، حيث تعكس مساهماته التهديفية هذا الموسم ملامح لاعب في طور الانفجار، يجمع بين الجرأة والفعالية، ويضع نفسه كخيار من الصف الأول.
في المحصلة، لا يواجه فلاديمير بيتكوفيتش أزمة خيارات، بقدر ما يصطدم بتحدٍ حقيقي في ترتيب الأولويات. فوفرة الأجنحة تمنح الخضر قوة هجومية نادرة، لكنها في المقابل تفرض قرارات صعبة قد تُقصي أسماء تستحق الحضور. وبين من يضمن مكانه ومن ينتظر الحسم، يبقى القرار بيد المدرب السويسري، ويظل السؤال مفتوحا حول من سيقود الجبهة اليمنى لهجوم “محاربي الصحراء” في المحفل العالمي.

