مما لا شك فيه أن غالبية متابعي الكرة العاديين، لاحظوا بعض التنوع الخططي بالنسبة للمنتخب الجزائري خلال “الكان” الجارية، في حين أن من يعاني أكثر من هذا التنوع والعبثية المنظمة حسب المختصين والفاهمين بالشأن التدريبي، يعون جيدا صعوبة قراءة المنافس الجزائري، خاصة مع مدرب طبق عديد المفاهيم التكتيكية خلال مواجهاته الثلاث السابقة في الدور الأول من الكان، كما ذهب لحد أن يوظف عددا من المناهج حتى في مباراة واحدة.
وبالعودة للبعض أو الأغلب، فهم يظنون أن هذه المتغيرات الشكلية والتكتيكية، تعتبر سهلة أو في متناول أي مدرب، لكن الأمر مخالف تماما لأن هذه المناهج الخططية لها مدارس خاصة وكرونولوجيا تاريخية تطورت بها عبر مرور الأزمنة، ولها رواد كانوا سببا في نشأتها وتأسيسها وصب الماء عليها ثم قطف ثمارها.
يعتبر بيتكوفيتش ابن المدرسة الكلاسيكية الإيطالية، التي أخرجت لنا كبار المدربين العالميين، على غرار نيريو روكو وأريغو ساكي، فالأول يعتبر الأب الروحي لما يسمى بال”كاتيناتشيو” أو بالأحرى “القفل المتحرك”، مع نادي بادوفا الإيطالي ثم طوره ونشره عالميا مع أي سي ميلان في سبعينيات القرن الماضي، حيث يختص بشكل علني في تطبيق الدفاع المتكتل الفعال، وهو ما شاهدناه بحذافره خلال مباراة الجزائر الثانية في آخر نصف ساعة أمام منتخب بوركينا فاسو، عندما استدعى الأمر لانتهاجه من طرف بيتكوفيتش، أحد العارفين بهذا النهج التكتيكي.
لكن لم يقتصر أمر بيتكوفيتش لهذا الحد، فذهب ليبهرنا بمزج التكتل مع المرتدات والفعالية الهجومية خلال تلك المباراة بالرغم من تضييع مهاجميه لعدد من الأنداف السانحة، وهنا خطى خطوة أخرى نحو الأب الروحي لبوابة الكرة الشاملة “الإيطالي أريغو ساكي”، الذي يعتبر واحدا من الأسس التدريبية العظيمة في تاريخ المستديرة، حيث غير من المفهوم الدفاعي الإيطالي البحت، رفقة ميلان مع أواخر ثمانينيات القرن الماضي ومع بداية التسعينيات من نفس الألفية، بدفاع مسطح مكون من مالديني وباريزي وتاسوتي وكوستاكورتا والذين نادرا ما استقبلوا أندافا لشدة تعلقهم بنهج ساكي وتنظيمهم، والتي قاد بموجبها هذا المدرب ميلان للفوز بلقبين لرابطة الأبطال الأوروبية ثم بتحدي جديد مع المنتخب الإيطالي الذي خسر معه بضربات الترجيح نهائي كأس العالم 1994 أمام البرازيل، حيث كان ساكي يؤمن بالمفهوم نفسه الذي يؤمن به بيتكوفيتش، وهو الكرة الشاملة، والتي تجعلك تلعب بخطط الدفاع القوي، والهجوم المتميز والتكتيك الشديد التنظيم، لتوليد الجماعية في اللعب.
بنى ساكي مفهوما إيطاليا يؤمن بشمولية اللعب على الطريقة الهولندية التي طورها كرويف في أواخر التسعينيات، حيث ذهب هذا الأخير لتطوير الدفاع المتقدم بلغة الضغط العالي على دفاعات الخصوم، أين يباعد الخط الخلفي لقرابة ال25 مترا عن مرماه، وبهذا يتم خنق المنافس في منطقة عملياته، مع امتلاك الكرة والصبر عليها لأطول وقت ممكن، وحرمان الخصم منها لإنهاكه، وهو ما فعله السويسري فلاديمير بيتكوفيتش في غالبية مباراته أمام المنتخب الغيني الاستوائي بالرغم من كونها لم تفعل بالدرجة المكتملة كون المجموعة لم يسبق لها اللعب مع بعضها، وكذا أن هذا النوع الخططي يأخذ وقتا طويلا بعض الشيء ليتم تفعيله بدرجة مئوية قصوى.
كل هذه الدواوين التي غاص فيها بيتكوفيتش، هي مفاهيم أكاديمية رسمته كأحد المدربين القلائل الذين بحوزتهم القدرة الفكرية، خاصة مع خبرته الواسعة في عالم المستديرة، في الغوص في المناهج التدريبية الكلاسيكية أو العصرية وتطبيقها على فرقه، ما دفع الخصوم للارتباك وعدم قراءته قراءة سليمة حتى جعلتهم يدخلون بعض مبارياتهم بعشوائية وقراءة غير استباقية، حتى يتسنى لهم معرفة معطيات المباراة داخل المستطيل الأخضر.
وتنتظر بيتكوفيتش مباراة قوية هذا الثلاثاء، لتأكيد دهائه وحنكته في قراءة المباريات، وانتهاج الخطط اللازمة التي ستعطي الخضر الأسبقية في النجاح وتجاوز عقبة الكونغو الديمقراطية، والأهم من ذلك ترسيخ مفهوم الكرة الشاملة التي ينتهجها البعض الآن بطريقة عصرية على غرار غوارديولا، الذي يحبذ فرض سيطرته على المباراة، عكس بيتكوفيتش الذي يولي أهمية بارزة للأحداث وكذا الخصم، ويعطي كل نقطة خصائصها على حدا.

