قبل بداية هذا التربص، لم يكن محمد البشير بلومي الاسم الأكثر حضورا في النقاش حول نجاحي المنتخب الجزائري.
بعد ثلاث مباريات، تغيّر الأمر. لم يحتج لاعب هال سيتي إلى سلسلة طويلة من المشاركات حتى يلفت الأنظار؛ مباراة بعد أخرى، بدأ يترك ما يكفي من التفاصيل ليجعل حضوره مختلفًا. أمام زامبيا، كان من أكثر لاعبي الخط الأمامي تحركًا وجرأة، ثم جاء هدفه أمام بوروندي في وقت كان فيه المنتخب متأخرًا 2-0 ويحتاج إلى من يعيد إليه الأمل. وأمام النيجر، وبعد دخوله في الدقيقة 40 عقب إصابة إبراهيم مازة، عاد وسجل هدف التعادل من مخالفة مباشرة بكثير من الثقة. هدفان في مباراتين متتاليتين، لكن الأهم من الهدفين أن بلومي لم يختفِ بينهما.
وهنا تحديدًا تكمن قيمة ما قدمه. لو كان الأمر متعلقًا بلقطة أو تسديدة ناجحة، لكان من السهل وضعها في خانة التألق العابر. بلومي قدّم شيئًا آخر. هو لاعب يتحرك من مكانه كثيرًا، لا يلتزم بالخط طوال الوقت، يدخل إلى العمق عندما تتيح له المساحة، ويتقدم بالكرة بدل التخلص منها سريعًا. أمام النيجر، كان هذا واضحًا في أكثر من موقف؛ استلامه لا ينتهي بالضرورة بتمريرة خلفية، بل يحاول أن يقطع بها مسافة ويدفع الهجمة إلى الأمام. هذه النوعية تحديدًا يحتاجها المنتخب عندما يتعطل اللعب على الأطراف ويصبح الوسط عاجزًا عن إيصال الكرة إلى الثلث الأخير. لذلك، من الطبيعي أن تتوقف عين حمداني عنده، ليس لأنه سجل هدفين فقط، وإنما لأن طريقته في اللعب تضيف للمدرب شيئًا يمكن البناء عليه.
ما يحدث في إنجلترا بدأ يظهر مع الخضر
ولم يأتِ هذا الحضور من فراغ. بلومي دخل تربص المنتخب وهو يعيش بداية جيدة مع هال سيتي، بعدما سجل هدفين وصنع هدفين خلال أول خمس مباريات له هذا الموسم. الأهم أنه لم يحتج إلى وقت طويل حتى يجد مكانه في فريقه الجديد، وهو ما انعكس على طريقة دخوله مع الجزائر. الثقة التي ظهر بها مع الخضر تبدو امتدادًا لما يعيشه مع ناديه، لا شيئًا منفصلًا عنه. وهذا ربما ما كان ينقص اللاعب في فترات سابقة: الاستمرارية التي تجعل مستواه قابلًا للقياس، بدل أن يبقى مرتبطًا بمباراة أو أخرى.
لهذا يصبح ما فعله بلومي خلال هذا التربص أكثر أهمية من مجرد حصيلة فردية. المنافسة على الجناح موجودة، مع أنيس حاج موسى وإيلان قبّال وغيرهما، لكن حمداني سيكون مضطرًا إلى تقييم ما رأى على أرض الملعب، لا ما كان موجودًا على الورق قبل انطلاق التربص. بلومي لم يحجز مكانًا أساسيًا بعد، ولم يحسم شيئًا، لكنه خرج من هذه المباريات وقدّم للمدرب سببًا قويًا لإعادته ومنحه مساحة أكبر. والأهم بالنسبة إلى اللاعب نفسه أن اسمه لم يعد يُستقبل أولًا باعتباره نجل لخضر بلومي. الإرث سيبقى، بطبيعة الحال، لكن البشير بدأ أخيرًا يقدم شيئًا يخصه هو: أهداف مع المنتخب، حضور في الدوري الإنجليزي، وثقة تتزايد كلما حصل على الكرة. وهذه، في النهاية، هي أفضل طريقة للخروج من ظل الاسم الكبير: أن يصبح للاعب قصته الخاصة.

