الزمن يشير لل8 أوت من عام 1992 ببرشلونة، وفي منعطف أخير لسباق ال1500 متر، كانت أنفاس المتسابقات تختلط بصيحات المدرجات. خطوة… خطوتان… ثم اندفاعة أخيرة، عند خط النهاية.. سبقت الجزائرُ الجميع..لم يكن ذلك مجرد سباق؛ كان لحظة تاريخية تُكتب بقدمَي امرأة اسمها حسيبة بولمرقة.
من قسنطينة إلى العالم.. وُلدت حسيبة في ال10 من جويلية 1968 بقسنطينة، المعروفة بمدينة الجسور المعلّقة، وكأنها قدَرٌ يختصر مسيرتها، بعبور دائم من ضفةٍ إلى أخرى..حيث بدأت البطلة ألعاب القوى في سن مبكرة، واختارت سباقات المسافات المتوسطة، حيث لا يكفي السرعة وحدها، بل يلزم الصبر والذكاء التكتيكي والإيمان حتى آخر متر.
في بداية التسعينات، كانت الجزائر تعيش مرحلة دقيقة، وبين ضغط الواقع وصخب المجتمع، كانت حسيبة تتدرّب، تسافر، وتنافس. لم يكن الطريق معبّدًا؛ واجهت انتقادات وتهديدات بسبب لباسها الرياضي ومشاركتها الدولية، لكنها تمسّكت بحقها في أن تركض… وأن تنتصر.
قبل ملحمة برشلونة، أعلنت حسيبة نفسها بطلةً للعالم في طوكيو عام 1991، في بطولة العالم لألعاب القوى، وهناك فهم الجميع أن الجزائر أنجبت عدّاءة لا تركض لتشارك فقط، بل لتفوز، ليكون ذلك التتويج “بروفةً” لحدث أكبر ينتظرها.
في الألعاب الأولمبية الصيفية سنة 1992 ببرشلونة، دخلت حسيبة النهائي بثقة البطلات ومحافظة على تمركزها.. فقرأت السباق بذكاء، ثم أطلقت العنان لاندفاعتها الحاسمة المعروفة بها في الأمتار الأخيرة لتحصد الذهبية.
لم يكن هذا تتويجا فحسب، بل جعلها كاتبة للتاريخ، حيث كانت أول امرأة جزائرية وعربية وافريقية تفوز بذهبية أولمبية في ألعاب القوى..لحظة رفع العلم الجزائري على منصة التتويج لم تكن انتصارًا شخصيًا فحسب، بل رسالة أمل لجيلٍ كامل.
تواصلت إنجازاتها، ونالت فضية بطولة العالم عام 1995، ثم قررت الاعتزال أواخر التسعينات، لتفتح فصلًا جديدًا في مسيرتها داخل الهيئات الرياضية والعمل العام، حاملةً معها خبرة الميدان وروح التحدي.
واليوم حين يُذكر اسم حسيبة بولمرقة، لا تُستحضر الأرقام فقط، بل تُستعاد قصة امرأة تحدّت القيود وركضت نحو حلمها بلا التفات..إرثها يتجاوز مضمار السباق؛ بل هو إلهامٌ لرياضيات شابات آمنَّ أن الطريق إلى القمة يبدأ بخطوة… ثم خطوة… حتى الذهب

