تعيش الكرة الجزائرية عديد التقلبات في السنوات الماضية، سواء من جانب البطولة المحلية أو على صعيد المنتخب، حيث تغلبت على هاذه السنوات شح في النجاحات، ووفرة في الخيبات، فمن أبرز النجاحات هو تتويج المنتخب سنة 2019 بالكأس الأمم الأفريقية، لتليها عدد من الخيبات على هذا الصعيد، كما لم تكن الأندية الجزائرية قارية ضمن أي نجاح ملموس في آخر الومضات، سموى مع اتحاد العاصمة في كأس الكاف سنة 2023.
غياب مدارس تكوينية كنصر حسين داي و بارادو سبب رئيسي
تعود هذه الخيبات وعدم الصعود على منصة التتويجات في الفترة الأخيرة، لتخلي المرة الجزائرية على أهم ماميز نجاحاتها في السابق، فالمنتخب مثلا لم يكنت ينتصر لاعبين مولودين في الخارج مثلا لضمهم، لوفرة زاده المتميز داخل البطولة المحلية، فعلى سبيل المثال لا الحصر المدرسة العريقة “نصر حسين داي”، والتي أنجبت عديد الأسماء على غرار مرزقان شعبان ورابح ماجر زين الدين بلعيد وأمين توغاي، وغيرهم الكثير الذي مولو الزاد البشري للمنتخب في سنوات عديدة، وكدليل على أهمية المدرسة التكوينية في الجزائر تتويج الخضر سنة 2019 بالنجمة القارية الثانية، والتي كان سببا فيها عدد كبير من المدرسة التكوينية المحلية الوطنية، بين بارادو مثلا والمدرسة الوهرانية العريقة، على غرار بن سبعيني وعطال وبونجاح وسليماني ويلايلي وبوداوي.
كما أن نجاح الخضر في ثمانينيات القرن المضي ومع بداية التسمينيات، كان كله من المدرسة التكوينية المحلية، فنادرا ما كانت الجزائر تعتمد في أساسيا عن عنصر الاحتراف، بل عكس ذلك تماما، كانت الجزاير بأنديتها مصدرا للاحتراف، وخير دليل من ذكروا في هذا المقال، لكن الحياة الكروية كالهرم تأتي تأثيراته إيجابا أو سلبا من الأعلى إلى الأسفل، فعدم الستثمار في التكوين وتهميشه مؤخرا، سمح بتراجع مستوى أندية البطولة الوطنية، وظهوره بآداء متواصع في النسخ الأخيرة من البطولات القارية، كما أثر على المنتخب الذي أصبح يبحث عن حارس من طينة سرباح وقاواوي ونصر الدين دريد في البطوبة الوطنية لكنه لم يجده، ليتجه مباشرة نحو أقسام سفلى في البطولات الأوروبية بغية الاستنجاد بحارس يحرس عرين المنتخب، هذا الأخير مرت عليه أسماء ثقيلة من العيار الثقيل في هذا المركز وكلهم من المدارس الكروية الجزايرية المختلفة، علما أن البطولة القارية الأخيرة، عرفت تواجد لاعبين محليين فقط هما بلعيد وبن بوط.
منتخبا السنغال واسبانيا خير دليل على مشروطية التكوين
يعتبر منتخبا السينغال وإسبانيا خير دليل على مشروطية التكوين في الكرة العالمية الحالية، حيث يقتصر نجاح أي منتخب بحتمية نجاح محلييه ومدارسه داخل حدوده، فلو عددنا مكاسب السينغاليين مثلا لوجدناه في آخر 6 سنوات، وصل للهائي القاري للأكبار 3 مرات وتوج بالكأس في مناسبتين، كما أن فئاته الشبانية تعتبر زادا قويا تمول به منتخبها الأول، فلم يقتصر النجاح السينغالي فقط في المنتخب الأول بل امتد منتخب تحت ال20 عاما الذي توج بكأس أفريقيا سنة 2023 كما تمكن منتخبه المحلي من التتويج “بالشان” في النسخة المنظمة في الجزائر، فضلا عن منتخب تحت ال17 سنةالذي توج هو الآخر باللقب القاري، وامتدت نجاحاته لكأس العالم، حتى مع تغير المدرب أليو سيسي في المنتخب الأول لكن الوتيرة بقت على حالها لأن الأساس القاعدي ظل موجودا ومدروسا، فغياب سيسي صعد “اوتوماتيكيا” مدرب المحليين الذي توح مؤخرا بكأس أفريقيا مع الأكابر في النسخة المغربية، وهذا دليل على أن حتى العمل على المدرب المحلي يعتبر خيارا أساسيا في التكوين.
إسبانيا هي الأخرى بمدارسها “لاماسيا” و”كاستيا”، التابعتين لبرشلونة وريال مدريد، والتي عرف على هذين الناديين في السابق توجههما لمنظور شراء النجوم، لكنهما في الآونة الأخيرة أكلا الأخضر واليابس على المستوى المحلي باعتمادهما على التشبيب والمنظور التكويني خاصة برشلونة، والذي انعكس إيجابا على المنتخب الإسباني الذي كان بوصوله لربع النهائي في كأس العالم يعتبرونه إنجازا، لكن مع التكوين أصبحت المتطلبات كبيرة ومحققة للفوائد، فكل ساق يجني ما سقى، فمنذ 2008 وتتويج إسبانيا باليورو مع لويس أرافوناس، وهي مسيطرة على الكرة العالمية تقريبا لحد الساعة، بشبابها ومواهبها الذين حققوا المونديال واليورو ومختلف البطولات العالمية.
مسايرة نجاحات الكرة العالمية متوقف على العودة للتكوين
إذا ما أراد الكرة الجزائرية العودة لسابق نجاحاتها وزيادة، فعليها التفطن مثلما تفطنت معظم الاتحادات العالمية لجانب التأهيل والتكوين وكذا الدراسة الأكاديمية في مختلف الجوانب، سواء النفسية أو العقلية أو اللوجيستية أو المنشآت القاعدية وغيرها، من الأسس التكوينية الواجب اتباعها، لبلورة فكرة النجاح المستقبلي، مع دمج فكرة الصبر والعمل تدريجيا نحو نظرة استشرافية، تضفي مفهوما قاعديا شاملا، بغية تحقيق ما حققته بعض الاتحادات التي كانت في نظرنا بسيطة أو ضعيفة، لكنها حققت مالم نستطع تحقيقه وعرفت كيفية مسايرة التكنولوجيا مثلا في عالم المستديرة، وحققت نجاحات على أرض الواقع واستمرت نجاحاتها لسنوات طويلة، كما عرفت كيفيت التغيير ووقته اللازم، وكلها ينخرط ضمن أطر ومناهج تكوينية بحتة، وجب على الكرة الجزائرية مراعتها إذا ما أرادوا مسايرة تفوق الاتحادات عبر العالم، خاصة أن الحزاير وللتذكير فقط بلد كرة قدم ولا يرضى غير الصعود على منصات التتويج، فلا الجانب المالي ربما يعتبر عائقا في التكوين، بل الجانب الفكري هو من يعرقل على الأغلب تصحيح المفاهيم.

